التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ناقل الكفر...

بسم الله الرحمن الرحيم

كثيرًا ما يتمّ تداول المثل القائل: (ناقل الكفر ليس بكافر) في الحوارات وغيرها، إلا أنني أشعر أن بعض هذا التداول ربما اشتمل على غفلةٍ أو اشتباهٍ في جوانبٍ ما من بعض الإخوة الكِرام، فلا بأس بهذه الكلمات:

عبارة المثل تنتهي بكلمةٍ مُقَدَّرةٍ غير ملفوظة، وقد برَّر الاستغناء عنها وضوحها وهي "بالضرورة"، فالمراد نفي الملازمة بين النقل واعتقاد الناقل بمنقوله. وليس لـ(الكفر) في استعمالات هذا المثل موضوعيةٌ، وهذا شأن الأمثال، فالمراد منه: "ليس الناقل لقولٍ ما معتقدًا به بالضرورة"، ومن الواضح أن نفي الملازمة بين النقل واعتقاد الناقل بالمنقول لا يعني نفي احتمال الاعتقاد، بعبارةٍ أوضح: حينما أقول أن ناقل الكفر ليس كافرًا بالضرورة، فهذا لا يعني نفي احتمال أن ينقل الكفر كافرٌ، عندما أقول أن ناقل شيءٍ ما ليس مستلزمًا لاعتقاده به، لا يعني أن كل من ينقل أمرًا فهو لا يعتقد به، وبالالتفات لذلك، نلتفت كذلك إلى أنه قد ينقل الناقل أمرًا ما وهو معتقدٌ به أيضًا، نعم اعتقاده هذا لا يُستدَل عليه بأصل كونه ناقلاً، بل يُستفاد من قرينةٍ سواء لفظيةٍ تلفَّظ بها أو غيرها من القرائن التي يسوغ الاعتماد عليها في مثل ذلك.

الأمر الآخر الجدير بالالتفات هو أن الناقل وإن لم يكن معتقدًا بنقله إلا أنه لا بُدَّ له من الالتفات لما ينقله ولمقام حديثه حتى لا يقع في محذورٍ ويرتكب بذلك ما لا يَحسُن منه، ففعله ذميمٌ حينما يصدق عليه أنه نميمةٌ -مثلاً-، وهو كذلك حينما يشتمل على ما يَقبح التصريح به، فيُمَثِّل النقل وقاحةً أو شناعةً -مثلاً-،وإن كان هذا القبح مرتفعًا في بعض الحالات لضرورةٍ تقتضي التصريح، فالضرورات تُقَدَّر بقدرها، ومن غير الخفي أن هذا القُبح للألفاظ يختلف في بعض الأحيان بين عُرفٍ وآخر.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تعليقٌ على كلام الشيخ الغروي حول البحارنة

‏انتشرت قبل أيام مقاطع ثلاث للمؤرخ الشيخ محمد هادي اليوسفي الغروي (حفظه الله)، يتحدث فيها حول «ابتلائنا بالشيعة البحارنة» -على حد تعبيره- وذلك في ما يرتبط بجعل الروايات ونقل المجعول منها؛ وذلك لأنهم أخبارية فلا يرون حرمة الكذب «لأهل البيت علیهم السلام»، ‏ولأجل استمرار تداول هذه المقاطع والسؤال عنها حتى هذه اللحظة وسعة انتشارها وغير ذلك، أحببت التعليق ببعض كلماتٍ أرجو بها الخير والنفع، لكني أقدِّم لذلك بأمرَين: • أولهما: الشيخ (حفظه الله) مؤرِّخٌ وصاحب مؤلفات نافعة، ولا يعني تعليقي هاهنا أنّي أرى غير ذلك إطلاقًا، بل أحترمه وأجلّه. ‏• وثانيهما: لا تعني نسبتي بعضَ الأمور لعلماء إيران أني أرى علماء إيران أقل شأنًا أو أني أنكر فضلهم في التشيّع، في الساحة العلمية وما هو أوسع منها، لا من بابٍ قوميٍّ ولا من سواه، بل إني أحترم وأقدّر حتى مَن سأشير لهم بالخصوص، بل ولا ألتزم ما يُدّعى في نقلهم ورواياتهم. ‏المقاطع الثلاث مأخوذةٌ من ندوةٍ لسماحة الشيخ بعنوان «النبي والوصي في آيات الغدير»(١)، أُقيمَت في أحد مرافق العتبة العباسية في كربلاء المقدسة، وذلك في ٣٠ أغسطس ٢٠١٩م، أي قبل نحو عامٍ من هذه الأ...

إثارتان حول علم الغيب

مساء الأحد ليلة الاثنين 22 من شهر رمضان 1438هـ  / الموافق 18 يونيو 2017م منتدى السيدة المعصومة الثقافي – قم المقدسة بسم الله الرحمن الرحيم تدور في وسائل التواصل الاجتماعي الكثير من النقاشات وتُثار الكثير من الإثارات وبعضها تتضمَّن شبهات وإن لم يلتفت صاحبها لذلك ولم يعطِ لنفسه المجال للتمهل والتثبُّت للإحاطة بشكلٍ كافٍ يحفظه من الوقوع في الزلل، انتقيت لهذه الكلمة الوجيزة اثنتين من تلك الإثارات التي شغلت وسائل التواصل وأحببت التعليق عليهما بما يناسب المقام بنحوٍ موجز، والغرض من ذلك تسليط النظر على نفس الإثارتَين وفكرتَيهما ومعالجتهما ولن أتطرّق للأشخاص المثيرين لهما. الإثارة الأولى: النبي (ص) لا يعلم مصيره، للجنة أم للنار وهنا وحتى لا يُظَن أنَّ للإثارة سياقًا ما، مخالفًا لما هو في الواقع فعلاً، أحببت أن أذكر السياق الذي أورد فيه صاحب الإثارة إثارته والجو الذي اكتنفها، ولأُقَسِّم –لأجل ذلك- كلامي لمقطعَين: الأول: ذكر المتحدث أن بعض الأعمال الشعائرية وشبهها كزيارة الحسين (عليه السلام) مثلاً لا تضمن للرجل الجنّةَ إذا ما كان المرء هاتكًا لحرمة شهر رمضان وفا...

كديور وتأليف الكافي

في سياق حديثه عن مصادر العقائد الدينية لدى الشيعة وتقييمها والنحو الذي ينبغي التعامل به معها، يخبرنا الدكتور كديور عن جزئية مهمةٍ ترتبط بتأليف كتاب الكافي الشريف، يقول الدكتور: "جمع الكليني في كتابه «الكافي» بجميع أجزائه (الأصول والفروع والروضة) ١٦،١٩٩ حديثًا. وخلال عشرين عامًا من العمل الشاق والجهد المضني، اختار ثقة الإسلام الكليني تلك الروايات الستة عشر ألف بدقة من  أصل ثلاثمائة ألف حديث (..) قام الكليني بدراسة تلك الروايات الثلاثمائة ألف وتمحيصها وفحصها خلال عشرين عامًا، ثم اختار منها ستة عشر ألف رواية فقط، اعتبرها موثوقة، فدونها في كتابه، أي إن نسبة ما اختاره كانت حوالي ٥٪ فقط من مجموع الروايات التي كانت بحوزته. وبعبارةٍ أخرى: في القرن الرابع الهجري، كان ٩٥٪ من الروايات الموجودة غير موثوق به، ولا يصح الاعتماد عليه في نظر الكليني"(١)، هذا كلامه. وهنا أسأل: من أين لك قضية الـ٣٠٠،٠٠٠ هذه يا دكتور؟! وهو مما لم يخطر حتى ببال الكليني نفسه (رضوان الله عليه)! الأمر لا يخلو، إما يكون اعتمد فيه على ما حكاه عن ابن عقدة من مذاكرته بـ٣٠٠،٠٠٠ حديث استنادًا لكونه من مشاي...